ملف تونس..اتفاق قرطاج تحت المجهر..تعزيز مقبولية الإصلاح في تونس

تاريخ الإضافة الخميس 1 كانون الأول 2016 - 4:17 ص    عدد الزيارات 980    التعليقات 0

        

 

اتفاق قرطاج تحت المجهر
    يوليوس ديستلهوف...     كاترين سولد
يوليوس ديستلهوف وكاترين سولد محاضِران وباحثان في مركز الدراسات حول الشرق الأدنى والأوسط (CNMS) في جامعة فيليبس في ماربورغ، ألمانيا.
كارنيغي...* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.
ترمز حكومة الوحدة الوطنية في تونس إلى استعداد النخب السياسية إلى التعاون، بيد أن التسوية الهشّة تعرّض العملية الديمقراطية في تونس للمخاطر.
أشرف الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في صيف 2016 على آلية لتشكيل "حكومة وحدة وطنية" أملاً في إرساء الاستقرار في تونس. وقد اكتسبت هذه الآلية طابعاً رسمياً في تموز/يوليو 2016 من خلال اتفاق قرطاج. وظهرت مفاعيلها الملموسة الأولى في 30 تموز/يوليو، عندما طلب رئيس الوزراء الحبيب الصيد من البرلمان التصويت على الثقة، فكانت نتيجة التصويت حجب الثقة عن الحكومة، ماأفضى إلى إقالته من منصبه واستبداله بيوسف الشاهد. وفي 27 آب/أغسطس، وافق البرلمان على حكومة "الوحدة الوطنية" الجديدة التي تتألف من 26 وزيراً و14 وزير دولة، بنسبة 86 في المئة من أصوات النواب التونسيين.
على الرغم من أن الحكومة السابقة كانت تتمتع بأكثرية برلمانية أتاحت لها تطبيق إصلاحات واسعة النطاق، إلا أن تونس اختارت تشكيل حكومة وحدة وطنية في شكل محدد من أشكال تقاسم السلطة، لاسيما بين حزب نداء تونس وحركة النهضة اللذين يملكان الكتلتَين الأكبر في البرلمان. وقد جاء اتفاق قرطاج تتويجاً لسلسلة اجتماعات عُقِدت بين ممثّلي هذَين الحزبين منذ آب/أغسطس 2013، في إشارة إلى أن نموذج التسوية النخبوية هو عنصر مهم في التحوّل الذي شهدته تونس بعد العام 2011. مع إقرار اتفاق قرطاج، أصبح للممارسة الآنية المتمثلة في التسوية النخبوية أساس رسمي جديد. فضلاً عن ذلك، عمد الاتفاق إلى توسيع الصيغة لتشمل أحزاباً سياسية أخرى – منها الأحزاب الأربعة في الحكومة الائتلافية (نداء تونس، والنهضة، وآفاق تونس، والاتحاد الوطني الحر)، وخمسة أحزاب معارِضة (مشروع تونس، والمبادرة، والجمهوري، والمسار، وحركة الشعب) – وثلاث مجموعات أهلية – الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.
مما لاشك فيه أن صيغة اتفاق قرطاج ساعدت على إدارة المأزق السياسي الخطير الذي تمرّ فيه تونس. العامل الأهم هو الاستعداد المتجدّد لدى النخب السياسية الحزبية للتوصّل إلى تسويات. وينطبق هذا في شكل خاص على آلية المصالحة بين الفصائل الموالية للإسلاميين وتلك المناهضة لهم على المستوى المؤسّسي. فقد ساهم ذلك، إلى جانب سلسلة النقاشات غير الرسمية التي أفضت إلى إبرام الاتفاق، في منع حدوث مزيد من الاستقطاب في المشهد السياسي، فأصبح حكم تونس ممكناً في مرحلة من الالتباس الشديد.
إلا أن التسوية النخبوية تنطوي على مخاطر أبرزها التهميش المحتمل للمعارضة الأوسع في صفوف البرلمان والمجتمع الأهلي، ماقد يؤدّي إلى ظهور ظروف غير ديمقراطية: ففي غياب الإجراء التصحيحي الضروري الذي يمثّله التدقيق والمراقبة من قبل المعارضة، يمكن أن يصبح تحديد الأهداف السياسية مجرداً إلى حد كبير من المضمون. فعلى الرغم من أن موقّعي اتفاق قرطاج يمثّلون غالبية كبرى من المقاعد التي تمت السيطرة عليها في الانتخابات البرلمانية في العام 2014، إلا أن الأحزاب التسعة في الائتلاف تمثّل 32 في المئة فقط من الناخبين في تونس.1 علاوةً على ذلك، تعمل الحكومة الجديدة على تفكيك توازن القوى الذي نشأ بعد انتخابات 2014 النيابية، فالاتفاق لم يمنح دوراً واضحاً للمعارضة، مهدِّداً بتهميشها بالكامل.
علاوةً على ذلك، فإن تطور مسار الاتفاق، من خلال سلسلة المحادثات غير الرسمية بين السبسي وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، خارج القنوات المعمول بها في العملية الديمقراطية، أدّى إلى إضفاء طابع شديد الشخصنة على آلية صنع القرارات. فقد ذكرت تقارير أنه حتى رئيس الوزراء الصيد لم يكن على علمٍ في البداية بمبادرة السبسي إلى أن مورست عليه ضغوط فجأةً للاستقالة من منصبه. على الرغم من أن الصيد رفض سابقاً التخلي عن منصبه طوعاً، إلا أنه جرى في النهاية استبدال حكومته بطريقة دستورية عبر حجب الثقة عنها، في خطوة تشكّل سابقة في التاريخ التونسي. إذاً لقد أفضت الشخصنة في صنع القرارات إلى دفع حكومة منتخبة نحو الاستقالة.
من شأن عملية بناء الإجماع التي تُعتبَر ضرورية إنما دونها صعوبات، والتي تتم برعاية ائتلاف كبير، أن تدفع أيضاً بأعضاء الائتلاف إلى تجنّب المواضيع السجالية – مثل الموقف العام تجاه النظراء السياسيين، وتطبيق النماذج الاقتصادية والإنمائية، ودور الإسلام وعلاقته بالدولة، والعدالة الانتقالية وإقرار قانون مصالحة جديد. في غضون ذلك، قد يصبح من الأصعب التمييز بين النهضة ونداء تونس فيما يحاول كل منهما، بأسلوب انتهازي، تعزيز اندماجه داخل الائتلاف. وهذه الخسارة للهوية الحزبية المتمايزة قد تثير نفور النخب السياسية والقاعدة الحزبية على السواء، مايولّد فراغاً خطيراً يمكن أن تتقدّم قوى جديدة من خارج العملية الديمقراطية الرسمية لملئه.
إلى جانب هذه المخاطر المحدِقة بالمبادئ الديمقراطية، قد تكون استراتيجية "الوحدة الوطنية" معرَّضة لخطر أن تصبح مجردة من المعنى – وغير قابلة للاستمرارية – إذا ظلت محصورة بالمستوى المؤسسي البحت. لقد حدّد اتفاق قرطاج ست أولويات واسعة النطاق – محاربة الإرهاب؛ وتشجيع التنمية والنمو والعمل؛ ومكافحة الفساد؛ وتنظيم المالية العامة؛ وتطبيق اللامركزية؛ وزيادة فعالية الحكومة – لكنه وضعَ بذلك إطار عمل مبهماً للحكومة الجديدة. يشكّل تحويل هذه المبادئ التوجيهية إلى قوانين ملموسة، وتطبيق القوانين المتّفق عليها، المهمتَين الأساسيتين اللتين تقعان على كاهل الحكومة الجديدة التي ينبغي عليها العمل أيضاً من أجل معالجة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي. يجب وقف الانحدار الاجتماعي والمناطقي ليتمكّن التونسيون من لمس مبدأ "الوحدة الوطنية" التجريدي في حياتهم اليومية. وإلا سيظل التعاون المؤسسي في أعلى الهرم السياسي في تونس يحتفظ بالنكهة غير المستساغة للتسوية النخبوية.
بحسب المبادئ التوجيهية، أحد الأهداف المحورية للحكومة الجديدة هو تسهيل التنمية والنمو والعمل، وذلك من أجل معالجة التصدّعات داخل المجتمع التونسي. لقد كان ذلك من المطالب الأساسية التي رفعتها الحركة الاحتجاجية قبل العام 2011 وبعده. في إطار الاستعدادات لمؤتمر "تونس 2020" – مؤتمر استثماري دولي يُعقَد في 29-30 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري – اقترحت الحكومة خطة إنمائية خمسية في حزيران/يونيو تتمحور حول استقطاب الاستثمارات في القطاع الخاص. إلا أنه ليس أكيداً إلى أي حد تشكّل هذه الخطة اتجاهاً جديداً بكل ماللكلمة من معنى: فاستراتيجية النمو التي تنتهجها الحكومة تتّبع إلى حد كبير المبادئ التوجيهية السياسية والاقتصادية نفسها التي تطبع النموذج الإنمائي التونسي منذ تسعينيات القرن الماضي. لكن إذا كان الهدف من هذا النموذج التنموي تحقيق مزيد من المساواة الاجتماعية والاقتصادية والمناطقية، يجب أن ينخرط المستثمرون الأجانب عن كثب في استحداث الوظائف ونقل التكنولوجيات لتسهيل الاستثمارات الاستهدافية في القطاعات ذات القيمة الأعلى، الأمر الذي من شأنه أن يساهم، في المدى المتوسط، في تحسين مكانة تونس في السلسلة العالمية للقيمة المضافة، فتتخطى بذلك موقعها كبلد مورِّد. كما أنه سيؤدّي، في المدى الطويل، إلى تحفيز السوق الوظيفية وخفض البطالة التي تُعتبَر من المشكلات الأكثر بروزاً في المجتمع التونسي.
من شأن قانون جديد ينظّم الاستثمار بصورة أكثر تفصيلاً وتأنّياً، أن يساهم في تطبيق اللامركزية، فيؤدّي إلى تحسين أوضاع المناطق المهمّشة اقتصادياً في الجنوب وفي الأجزاء الداخلية من البلاد. تتضمن الخطة الإنمائية الجديدة توظيف استثمارات كبيرة في البنى التحتية المناطقية للحد من التفاوت بين الأجزاء المختلفة في البلاد. لكن ما لم يتحقق تقدّم ملموس في تعزيز السلطات المحلية والبلدية، ستبقى تأثيرات هذه المشاريع محدودة. لقد نصّت المادة 14 من دستور 2014 على الالتزام باللامركزية، لكن التقدم نحو تطبيقها بطيء حتى الآن. من النقاط الأساسية في هذا السياق نقل السلطة من المستوى الوطني إلى المستويَين المناطقي والبلدي، على أن يتجلّى ذلك في شكل أساسي من خلال منح هذه الهيكليات الإدارية استقلالية أكبر على صعيد موازنتها المالية. وهكذا جرى تعديل الهيكليات الإدارية، انسجاماً مع المبادئ التي أُدرِجت في الدستور، لكن وعلى الرغم من اقتراح مشروع قانون للإشراف على الانتخابات البلدية والمحلية في تشرين الأول/أكتوبر 2015، لم يتم حتى الآن إقرار هذا القانون ولاإدخال تعديلات إلى القانون الانتخابي الأوسع. لابل هناك كلامٌ عن إرجاء الانتخابات البلدية المقررة في آذار/مارس 2017 (الموعد الأول لإجرائها كان في تشرين الأول/أكتوبر 2016)، حتى العام 2018. بيد أن انتخاب الممثلين على مستوى البلدات والبلديات شرط مسبق أساسي لتحسين المواقع التفاوضية للمنظمات المحلية، لاسيما في المناطق المهمَّشة. من شأن ذلك أن يشكّل تطبيقاً عملياً للروحية التي استند إليها اتفاق قرطاج، فتصبح فكرة تحقيق مستوى أكبر من الانسجام والوحدة الوطنيَّين ملموسة أكثر على الصعيد المحلي وفي الحياة اليومية للشعب التونسي.
تُظهر التطورات في هذين الميدانين – الاقتصاد واللامركزية – بوضوح شديد أن عملية "الاندماج الوطني" التي تَصوّرها اتفاق قرطاج تتوقّف على عاملَين اثنين كي تتكلّل بالنجاح. أولاً، يُحكَم على كل مبادرة إصلاحية (وعند الإمكان يتم تعزيزها) بحسب تأثيرها على اللامساواة الاجتماعية. لكن، وهذا هو العامل الثاني، لايمكن النظر إلى هذين المجالَين، أي الاقتصاد واللامركزية، بمعزل عن بعضهما في العملية الإصلاحية، بل يجب التعاطي معهما كجانبَين مترابطَين في إطار مهمّة واحدة معقّدة. الهدف الضمني الذي يسعى إليه اتفاق قرطاج هو أن تساهم العملية الانتقالية في تونس بعد العام 2011 في الحد من اللامساواة الاجتماعية انطلاقاً من روحية "الوحدة الوطنية". إلا أنه ينبغي على الحكومة الجديدة أن تجعل من هذا الهدف المبدأ الذي تستظل به خلال المرحلة المقبلة بغض النظر عن الانقسامات الأيديولوجية، بحيث يُلهِم جميع الاعتبارات السياسية والمؤسسية ويترجمها فعلياً إلى ممارسات إدارية وقانونية.
من هذا المنطلق، وعلى الرغم من المخاوف بشأن تأثير التسوية النخوبية على العملية الديمقراطية، يمكن أن تُقدّم هذه التسوية مساهمة مهمة. غير أن الطابع المؤقت لهذا النموذج في الحكم أمر أساسي. فمن العناصر الرئيسة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي المنافسة بين الأفكار السياسية وأيضاً بين ممثّليها.
 
1.       النسبة احتسبها الكاتب بالاستناد إلى عدد الناخبين التونسيين (8289900) ومجموع الأصوات التي مُنِحت للأحزاب الثمانية الموقِّعة على اتفاق قرطاج التي ترشّحت في انتخابات 2014 (نداء تونس، والنهضة، والاتحاد الوطني الحر، وآفاق تونس، والمسار، والجمهوري، والمبادرة، وحركة الشعب؛ 2681811 صوتاً).
 
تعزيز مقبولية الإصلاح في تونس
كارنيغي..    مايكل يونغ
من الضرورة بمكان إشراك الجمهور، إذا ما أُريد للاستثمارات أن تحقق منافع اقتصادية وسياسية واجتماعية.
فاضل علي رضا هو مدير مشروع تونس في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. شارك مؤخراً كلاً من مروان معشر ومارك بيريني في وضع إحدى أوراق كارنيغي بعنوان "تدعيم عملية الانتقال في تونس: دور الإصلاحات واسعة النطاق". وافق علي رضا على التحدث إلى "ديوان" حول الورقة المذكورة قبيل وقت قصير من انطلاق أعمال مؤتمر الاستثمار العالمي "تونس 2020"، الذي سيلتئم يومي 29 و30 من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.
مايكل يونغ: برأيك ما الأطروحة الرئيسة في ورقة كارنيغي الأخيرة التي شاركت في وضعها؟
فاضل علي رضا: تتمثَّل أطروحتنا الرئيسة بالتالي: في حين أقرّت الحكومات التونسية الأخيرة إصلاحات تشريعية ومارست دبلوماسية اقتصادية استباقية، في مسعىً منها لتعزيز البيئة الاستثمارية في البلاد، فإن ثمّة حاجة إلى ترقية المقبولية الشعبية والإدماج والتشاور من القاعدة إلى القمة كي يحقق الاستثمار، أو أي استراتيجية على مستوى السياسات، منافع اقتصادية وسياسية واجتماعية واسعة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تونس حققت الكثير من الإنجازات في فترة قصيرة من الزمن، تمثّلت في بناء نموذج لحياة سياسية قائمة على شكل من سياسات التوافق. وهذه ميّزت التطور السياسي في تونس في مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية، فيما كانت تعكف تونس على صياغة سياسة اقتصادية طويلة الأجل تهدف إلى التصدّي للتحدّيات المستمرة. بيد أن الفجوة بين المواطنين والدولة لاتزال قائمة، على نحو جعل الكثير من التونسيين متشككين، أو حتى سلبيين، في موقفهم تجاه ما يُعتبر سياسات نخبوية.
نحن نجادل بأنه إذا ما أُريد لبرنامج الإصلاح واستراتيجية التنمية اللذين يجري تنسيقهما مع شركاء تونس الدوليين أن يحققا النجاح، فلا بد أن يكون هناك المزيد من الشفافية والشمولية للجميع في عملية صنع السياسات، وكذلك في عملية تنفيذ المشاريع. وبالتالي، سيكون مؤتمر الاستثمار الدولي "تونس 2020"، الذي يعقد هذا الشهر في مدينة تونس، لحظة مفصلية على صعيد ربط الاستثمارات والالتزامات المتعلقة بتقديم المساعدات بالمشاريع التقليدية ذات الأصول الثابتة.
وفي الوقت نفسه، نطرح في الورقة توصيات نعتقد أنها يمكن أن تساعد على متابعة خطوات المؤتمر بعد انتهاء أعماله. هذه التوصيات هي في الواقع حلول تونسية موجودة بالفعل في دستور العام 2014، لكن لم تتم ترجمتها إلى تشريعات أكثر تحديداً، لأنها تنطوي على صعوبات سياسية. فالمادة 10 من الدستور تدعو إلى وضع نظام ضريبي عادل ومنصف وإلى مكافحة التهرّب الضريبي، في حين تدعو المادة 11 إلى أن يفصح كبار المسؤولين عن الأصول التي يمتلكونها، وتلزم المادة 14 الدولة بانتهاج اللامركزية في الإدارة. وما من شك في أن إعطاء الأولوية لهذه التوصيات، يمكن أن يساعد في ضمان أن تصبح فوائد الاستثمار ملموسة على نطاق واسع، فضلاً عن تدعيم الشرعية الشعبية لعملية الانتقال السياسي في تونس.
مايكل يونغ: ما العقبات التي تقف في وجه الإصلاح في تونس اليوم؟
فاضل علي رضا: ثمّة انطباع شعبي سائد في تونس، مفاده أن بعض الإصلاحات التشريعية الأخيرة، ولاسيما الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية مثل استقلالية المصرف المركزي أو قانون الاستثمار الجديد، هي أمور غير قابلة للأخذ والردّ، أو على الأقل غير قابلة لمناقشة عامة واسعة وشاملة. وعليه، ولذا، إذا لم يؤمن الناس بتلك الإصلاحات أو يفهمونها، أو إذا لم يشعروا بأن رأيهم مؤثِّر فيها، فهذا يشكّل عقبة أمام نجاحها.
عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات التي تتطلّب إجراء تغييرات تشريعية لتحديث القوانين في تونس بحيث تتوافق مع دستور العام 2014 التقدمي، كالقوانين التي تتطلّب أن يفصح كبار المسؤولين الحكوميين عن أصولهم أو تتطلّب لامركزية إدارية، فإن العقبة هنا تكمن في جماعات المصالح القوية التي تخشى خسارة الامتيازات الحكومية التي تتمتع بها حالياً. وتشمل هذه الجماعات تكتلات الشركات الكبيرة ورجال الأعمال الذين يتمتعون بمراكز مالية قوية ويعملون في التجارة غير المشروعة والمنظمات التجارية الأخرى، وبعض مسؤولي الدولة والمسؤولين المحليين، وما إلى ذلك.
مايكل يونغ: كان هناك الكثير من التعليقات على حقيقة أن المناطق الداخلية في تونس لاتزال مهمّشة. هلّا تفضلت بتوضيح الوضع بلغة الأرقام، وأن تطلعنا على العواقب المترتبة على الاستقرار جرّاء ذلك؟
فاضل علي رضا: لنلق نظرة على الوضع في ولاية القصرين،على سبيل المثال، وهي المنطقة الداخلية الرئيسة التي شهدت قدراً كبيراً من الاضطرابات في التاريخ الحديث. في كانون الثاني/يناير من هذا العام، أنتجت "إنكيفادا- Inkyfada" وهي إحدى وسائل الإعلام على شبكة الإنترنت، رسماَ معلوماتياً (إنفوغراف) بالاعتماد على بحث أجراه "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية-Forum Tunisien pour les Droits Economiques et Sociaux"، أو " FTDES"، يُظهر أن معدل البطالة في القصرين هو أعلى بحوالي 9 في المائة من المتوسط الوطني. وفي الوقت نفسه، فإن معدل العمر المتوقع فيها أقل بواقع 7 سنوات كاملة منه في تونس العاصمة.
ثمّة أرقام رئيسة أخرى تروي قصة أقسى وأشدّ قتامة. فنسبة الأمية أعلى ومعدل وفيات الرضَّع أعلى؛ كما أن إمكانية الوصول إلى المياه سيئة جداً لدرجة أنه كان هناك نقص في إمداداتها في بعض المناطق الريفية في كل صيف منذ سنوات عدة. لا بل هناك بعض الناس الذين لم يحصلوا على الماء البتة طيلة أيام طوال. وما من شك في أن ذلك الوضع يتناقض بصورة صارخة مع الوضع في المدن الساحلية، التي تتوفَّر على منتجعات غنية بالمياه وحمامات سباحة وملاعب غولف، وما إلى ذلك. ولذلك لم يكن مفاجئاً أن تنطلق الاضطرابات الواسعة التي شملت كل أنحاء البلاد – في العام 2008، وفي كانون الثاني/يناير 2011، ومؤخراً في كانون الثاني/يناير 2016 – من المناطق الداخلية المهمّشة، قبل أن تتمددّ إلى الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى. أما بالنسبة إلى عواقب التهميش على الاستقرار، فقد بدت أكثر وضوحاً خلال ثورة 2010–2011، التي أجبرت الحكومة العام 2016 على اعتماد تدابير شعبوية قصيرة الأجل. يكمن التحدّي بالفعل في كيفية معالجة الأسباب العميقة لهذه الاضطرابات بطريقة شاملة وطويلة الأجل قد توفَر بديلاً عن السياسات التي توضع فقط كردٍ على الأزمات.
مايكل يونغ: لاتزال تونس تعاني من تضخم القطاع العام. برأيك كيف يمكن للجهود الرامية إلى الحدّ من التضخم أن تؤثر على الاقتصاد والاستقرار الوطني؟
فاضل رضا علي: تتمثل الحجّة التي تسوقها الحكومة لتقليص التوظيف في القطاع العام وإحدى الحجج الرئيسة التي يسوقها "صندوق النقد الدولي" في أن التوظيف يشكّل استنزافاً للميزانية في تونس، مايعني أنه لن يتوافر كبير مجال للاستثمار. صحيح أننا رأينا نضوباً في استثمارات الدولة، بيد أن الأمل معقود على أن الإصلاح يمكن أن يؤدي إلى زيادة استثمارات القطاع الخاص باعتبارها وسيلة لسدّ الفجوة. وعلى الرغم من ذلك لا مندوحة من أن يصطدم الأساس المنطقي المتعلق بالميزانية لخفض التوظيف في القطاع العام بالعديد من الحقائق السياسية والاقتصادية.
إحدى الحقائق السياسية تتمثّل في أن الحكومة السابقة وقّعت اتفاقاً في العام 2015 مع نقابة العمال الرئيسة، الاتحاد العام التونسي للشغل، لزيادة المرتبات خلال العام 2018. والحقيقة الثانية هي أن الاتحاد التونسي العام للشغل يعمل أحياناً باعتباره معارضة فعلية للحكومة، في الوقت الذي تبدو فيه المعارضة الرسمية ضئيلة العدد. وثمة حقيقة ثالثة – حقيقة اقتصادية – تتمثّل في أن الكثير من الأسر في تونس تعتمد على موظف واحد في الأسرة كعائل لها. علاوة على ذلك، فإن النمو يتأثّر بالاستهلاك إلى حد ما، وبالتالي فإن خفض التوظيف أو الرواتب في القطاع العام، قبل أن تتوفّر مؤسسات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة الحجم (المشاريع الصغيرة والمتوسطة) على البيئة المناسبة للازدهار، يمكن أن يضرّ بحجم الطلب الكلي. وهذا يهدد أساساً بإثارة كل المضاعفات السلبية التي لوحظت جرّاء فرض تدابير التقشف في أماكن أخرى.
مايكل يونغ: أنتم تركزون على أن المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة تعاني من مروحة من العقبات في تونس، بما في ذلك الفساد والمحسوبية ونظم الجمارك والضرائب الباهظة. ترى ما هي أهمية هذه المؤسسات، وهل تسعى جهود الإصلاح إلى إزالة تلك العراقيل ؟
فاضل رضا علي: تُعتبر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عموماً بيئة مناسبة لتوفير فرص العمل. وهذا ينطبق على تونس أيضاً، حيث نرى الكثيرين يعملون في القطاع غير الرسمي بسبب العراقيل القانونية والتنظيمية، فضلاً عن المحسوبية والفساد والعوائق الأخرى أمام إمكانية الوصول إلى السوق. وعليه فإن عملية الإصلاح الشاملة للضرائب والجمارك، والتي يمكن أن تكون ذات تأثير كبير في مجال الحد من هذه العقبات، موجودة على أجندة الحكومة، غير أنها لاتشكِّل أولوية لأنها صعبة من الناحية السياسية. أما بالنسبة إلى لفساد، فقد قالت الحكومة التي تولّت السلطة في آب/أغسطس الماضي إن مكافحته ذات أهمية كبيرة، بيد أن هذا يم يحظ بالكثير من المتابعة. ففي الشهر الجاري فقط أعلن رئيس هيئة مكافحة الفساد الحكومية في تونس أن 50 من المسؤولين رفيعي المستوى تلاحقهم شبهة الفساد. وقد جرى إرسال قائمة بالأسماء إلى الحكومة، غير أن الهيئة لم تتلقّ أي ردّ.
مايكل يونغ: أخيراً، أين ترى تونس في غضون خمس سنوات من الآن؟ هل ستنتنظر إلى هذه الفترة كواحدة من قصص النجاح النادرة بين الانتفاضات العربية، أم تشعر بأنها ستكون فرصة أخرى ضائعة؟
فاضل علي رضا: ثمّة العديد من المؤشرات الإيجابية، حين يتعلق الأمر بإمكانية أن تواصل تونس بناء مجتمع سياسي أكثر عدلاً وأكثر انفتاحاً وشمولاً للجميع، فضلاً عن بناء دولة تخدم جميع المواطنين من حيث الحقوق السياسية والفرص الاقتصادية، ولكن أيضاً في مجالات الصحة والتعليم والبيئة. هناك مجتمع مدني نابض بالحياة وله حظ وافر من التعليم، ومواطنون مرنون وواسعو الحيلة ولاسيما في المناطق المهمّشة، وقدر كبير من التسامح وحتى التواطؤبين الأحزاب السياسية الرئيسة، هذا علاوة على تقليد بازغ يتمثّل في الحوار بين أصحاب المصالح المتعارضة. ومؤخراً، عايّنا بروز خطوة إيجابية كبيرة، عندما عقد ضحايا حقوق الإنسان جلسات استماع علنية بتوجيه من "هيئة الحقيقة والكرامة". هذه كلها عوامل ذات صلة بالتطور السياسي في تونس. أما إن كان الأمر يتعلق بما إذا كنا سنرى تونس أكثر رخاءً وديمقراطية ذات نظام حكم شرعي يعمل في خدمة المواطنين، فهذا سيتوقف على ما إذا كانت الحكومة ستعمل بلا كلل لخدمة من يشعرون بأنهم لم يكسبوا شيئاً – أو حتى خسروا- في السنوات القليلة الماضية. ذلك أن الإصلاح الحقيقي الذي يخدم الشعب التونسي، يتطلّب وجود حكومة تتمتّع بالإرادة السياسية اللازمة لخوض معارك شرسة مع كل الجماعات وأصحاب المصالح، الذين يستفيدون من الوضع الراهن ويستغلّون السياسة لزيادة ثرائهم.

Turning the Pretoria Deal into Lasting Peace in Ethiopia...

 السبت 26 تشرين الثاني 2022 - 5:16 م

....Turning the Pretoria Deal into Lasting Peace in Ethiopia..... Ethiopia’s federal government a… تتمة »

عدد الزيارات: 110,381,907

عدد الزوار: 3,737,476

المتواجدون الآن: 115