إرث السبسي

تاريخ الإضافة الجمعة 16 آب 2019 - 6:19 ص    التعليقات 0

        

إرث السبسي

جايك والاس..

مركز كارنيغي...يتحدّث سفير أميركي سابق لدى تونس عمّا يعنيه الرئيس الراحل لبلاده...

سوف تبقى ذكرى الباجي قائد السبسي، الذي توفّي في 25 تموز/يوليو، خالدة باعتباره من بين الشخصيات المهيبة في التاريخ التونسي. فقد خدمَ بلاده ليس في منصب أول رئيس منتخَب ديمقراطياً فحسب، إنما أيضاً في مختلف المناصب الوطنية المهمة الأخرى. فقد كان رئيساً للوزراء ورئيساً لمجلس النواب ووزيراً وسفيراً.

تكوّنت فلسفة السبسي السياسية تحت قيادة مرشده، الرئيس التونسي الأول الحبيب بورقيبة. لكن السبسي طوّر لاحقاً مقاربته الخاصة المستندة إلى الإشراك السياسي والتوافق الوطني، ماساهم في انتقال البلاد إلى الديمقراطية بعد انتفاضة 2010-2011. ترك السبسي وراءه إرثاً غنياً على التونسيين الاعتماد عليه للحفاظ على الديمقراطية الجديدة في البلاد في وجه التحدّيات التي تلوح في الأفق.

التقيتُ السبسي للمرة الأولى بُعيد وصولي إلى تونس لتسلُّم مهامي كسفير للولايات المتحدة الأميركية في العام 2012. كانت أيام الانتفاضة الأولى المفعمة حماسةً قد انقضت، وكانت البلاد قد بدأت تنزلق نحو أزمات سياسية وأمنية خطيرة. في غضون ذلك، كان السبسي قد أصبح خارج الحكومة، بعد أن سلّم منصب رئيس الوزراء إلى حمادي الجبالي من حزب النهضة الإسلامي في أعقاب انتخابات 2011. وهذه كانت المرة الأولى التي تشهد فيها تونس انتقالاً سلمياً للسلطة بعد الانتفاضة. وبعد خروج السبسي من رئاسة الوزراء، سرعان ما أصبح ناقداً لاذعاً لحكومة "الترويكا" التي قادها الجبالي. فقد اعترض، من جملة ما اعترض عليه، على الأسلوب الذي تعاطت به الحكومة مع الهجوم الذي شنّه سلفيون متشدّدون على السفارة الأميركية في أيلول/سبتمبر 2012، معتبراً أنه شكّل تهديداً لتاريخ طويل من العلاقات الجيدة بين تونس والولايات المتحدة.

وفيما كانت تونس تتخبّط في أزمة عميقة، أنشأ السبسي في 2012-2013 حزب نداء تونس، ليكون بمثابة ثقل موازن في مواجهة النهضة. وقد تألّف من عناصر متفرّقة، بما في ذلك بعض الأشخاص المرتبطين بالنظام السابق برئاسة زين العابدين بن علي، لكن السبسي كان مصمماً على بناء حزبٍ ملتزم بالمثل العليا الديمقراطية. ولم يكن يفكّر على الإطلاق في إعادة النظام السابق بحلّة جديدة.

في الوقت نفسه، بدأ السبسي سلسلة واسعة من الاجتماعات السرّية مع راشد الغنوشي، زعيم النهضة، وقد رسمت هذه الاجتماعات معالم الانتقال الديمقراطي في تونس. وقد عمل السبسي والغنوشي معاً على أساس الاحترام المتبادل، واتّفقا على مبدأي الإشراك السياسي والتوافق الوطني اللذين طبعا تلك المرحلة.

وعلى النقيض من التطورات السياسية في بلدان أخرى في المنطقة، أدرك السبسي الحاجة إلى السماح بمشاركة حزب إسلامي ملتزم بالديمقراطية في العملية السياسية في تونس. وقد ساهم الحوار بين السبسي والغنوشي في ترسيخ أسس التسويات التي أتاحت للمجلس التأسيسي إقرار دستور ديمقراطي جديد في العام 2014، وسهّلت انتقالاً سلمياً آخر للسلطة من النهضة والترويكا إلى حكومة مؤلَّفة من شخصيات مستقلة نظّمت انتخابات جديدة في وقت لاحق من العام نفسه.

انتُخِب السبسي رئيساً في انتخابات العام 2014، ولدى تسلّمه السلطة استمر في التشديد على الحاجة إلى الإشراك والتوافق الوطني. ولكن مع تفكّك حزب نداء تونس، ظهرت النهضة في موقع الكتلة الأكبر في مجلس نواب الشعب، وشكّلت قاعدة الدعم الأساسية للحكومات المختلفة في عهد السبسي. وقد واجه السبسي، خلال رئاسته للبلاد التي استمرت نحو خمس سنوات، انتقادات من بعض الجهات بسبب تعاونه مع النهضة، ومن جهاتٍ أخرى لقبوله بضم شخصيات كانت على ارتباط بنظام بن علي. بيد أن تعاون السبسي مع الغنوشي وتأييده إشراك جميع الأطراف الملتزمة بالديمقراطية في العملية السياسية، ساهما في توطيد دعائم الدولة التونسية وتجنُّب العثرات التي اعترضت سبيل بلدان أخرى في المنطقة بعد الربيع العربي.

كانت قوة الديمقراطية التونسية واضحة في الأيام التي أعقبت وفاة السبسي. فقد انتقلت السلطة بسلاسة إلى رئيس مجلس النواب محمد الناصر عملاً بأحكام الدستور. وبادرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات سريعاً إلى العمل على تنظيم انتخابات رئاسية على نحوٍ مستعجل تماشياً مع مندرجات الدستور. وعلى الرغم من عدم وجود محكمة دستورية تعمل كما يجب، طُبِّق الدستور كما يجب، وبقي الهدوء يعمّ البلاد.

على مشارف الانتخابات المقرَّر إجراؤها في الأشهر المقبلة لاختيار الرئيس وأعضاء مجلس النواب، سيكون مستقبل البلاد بين أيدي المواطنين التونسيين. ونظراً إلى وفاة السبسي قبل انتهاء ولايته، سوف يتبدّل تسلسل الانتخابات، إذ إن الانتخابات الرئاسية ستُجرى قبل الانتخابات البرلمانية، ما سيؤثّر في بعض الحسابات السياسية، ولكنه لن يُحدث تغييراً جوهرياً في العملية الديمقراطية.

ومن التحديات الأكثر أهمية الحالة الرديئة لمنظومة الأحزاب السياسية في تونس. لقد أمِل السبسي، من خلال تأسيس نداء تونس، في نقل البلاد نحو ثنائية حزبية تتمتع باستقرار أكبر. ولكن ذلك لم يتحقق، فقد وقعت انقسامات في صفوف نداء تونس، ولم يظهر حزب واحد للوقوف في وجه النهضة. غير أن هذا الوضع قد يتبدّل في الانتخابات المقبلة.

وعلى ضوء تفكُّك المنظومة الحزبية، ستكون الحكومة العتيدة المُنبثقة عن الانتخابات المقبلة عبارة هي الأخرى عن ائتلاف من العناصر المتفرّقة. لهذا السبب، سيستمر مبدأي الإشراك والتوافق الوطني اللذان عمل السبسي على تعزيزهما، في أداء دور أساسي في توجيه دفة البلاد في المرحلة المقبلة. وسوف يرتدي بناء التوافق الوطني أهمية خاصة فيما تتعامل الحكومة الجديدة مع الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها تونس. لقد عمدت الحكومات السابقة إلى تأجيل الإصلاحات التي طال انتظارها والتي تُعتبَر ضرورية لإخراج البلاد من نمطها المتمثّل في النمو الاقتصادي الضعيف والمتفاوت والفساد المستشري. ولعل الضغوط الاجتماعية الناجمة عن هذه الأوضاع تُشكّل التحدي الأخطر للاستقرار التونسي في المرحلة المقبلة. ففي ظل هذا الوضع، سيتعين على الأفرقاء التعاون في ما بينهم لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية من أجل خير البلاد.

عندما كنت سفيراً للولايات المتحدة في تونس، غالباً ما نصحتُ التونسيين بألا يصابوا باليأس بسبب التعقيدات التي ترافق عملية الانتقال الديمقراطي، مُشيراً إلى ما واجهته الولايات المتحدة أيضاً في المراحل الأولى لبناء نظامها الديمقراطي. ويحضرني في هذا الصدد جواب أحد الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة، بنجامين فرانكلين، لدى خروجه من المؤتمر الدستوري، رداً على سؤال طرحه عليه المواطنون في فيلادلفيا عن شكل الحكومة التي ستبصر النور في البلاد. فقد نُقِل عنه قوله: "جمهورية، إذا أمكنكم الحفاظ عليها". أعتقد أن الفكرة نفسها تركها السبسي رسالةً للشعب التونسي بعد رحيله.

Averting an ISIS Resurgence in Iraq and Syria

 الثلاثاء 15 تشرين الأول 2019 - 7:15 ص

Averting an ISIS Resurgence in Iraq and Syria https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-afric… تتمة »

عدد الزيارات: 29,703,395

عدد الزوار: 715,766

المتواجدون الآن: 0