وفاة سلطان عُمان، قابوس بن سعيد آل سعيد..

تاريخ الإضافة الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 7:15 ص    التعليقات 0

        

وفاة سلطان عُمان، قابوس بن سعيد آل سعيد..

بدر السيف..

وقفة تحليلية من باحثي كارنيغي حول أحداث تتعلّق بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا...

يوم 10 كانون الثاني/يناير، توفّي السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد، ثالث أطول الزعماء حُكماً في العالم، ومهّدت وفاته الطريق لإحدى أكثر عمليات الانتقال السياسي شفافية وتنظيماً في المنطقة. ففي غضون ساعات من إصدار نعيه في 11 كانون الثاني/يناير، نظّمت الدولة جنازته، وأدّى السلطان الجديد هيثم بن طارق قسم اليمين، موجّهاً رسالته حول استمرارية عمان المستقر، وعزمه السير على خطى قابوس.

لماذا هذا التطور مهم؟

تُعتبر سلطنة عُمان صوت مسالم ومعتدل في منطقة غارقة بالاضطرابات. كما أن سياستها الخارجية المحايدة ومهاراتها في الوساطة وتيسير الصعوبات معترف بها عالمياً، التي عادة ما يتمّ اللجوء إليها. ومنذ أن ألمح السلطان قابوس عن مرضه في العام 2014، برزت الكثير من التوقّعات حول مستقبل عُمان ومدى قدرتها على الاستمرار في السياسة التي انتهجها قابوس. أما ما فاقم حالة التوتر فكان نموذج الحكم المختلف في عُمان، والمتأثّر بالتقاليد الإباضية في اختيار الوريث بدلاً من تسميته. فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تهيمن عليها المدرسة الإسلامية الإباضية، وقد كرّست عُمان هذا التقليد في المادة 6 من نظامها الأساسي الصادر في العام 1996، التي تمّ تفعيلها للمرة الأولى بعد وفاة السلطان.

وفقًا للنظام السياسي لعمان، يتعيّن على مجلـس العائلة المالكة اختيار سلطان في غضون ثلاثة أيام. وفي حال فشل في ذلك خلال الفترة المحددة، يُلجأ إلى سيناريو ثانٍ يتمثّل في فتح رسالة مختومة ومكتوبة بخط يد السلطان السابق يكون محددًا فيها اسم مرشّحه كخلف. لكن ما حدث، لم يلتزم تماماً بنص القانون. فقد تنازلت العائلة على الفور عن حقّها في اختيار السلطان وطلبت من مجلس الدفاع فتح وصية السلطان قابوس والاطلاع عليها كـ" إكراما لهذا الرجل وتقديرا له وتعزيزا لمكانته ولسمعته وسمعة عمان أمام الغير".

اختارت العائلة المالكة، في أول فرصة أُتيحت أمامها لإظهار قيادتها المستقلة، بدلاً من ذلك الاعتماد على إرث قابوس، الأمر الذي عزّز من شرعية السلطان الجديد باعتبار أنه خيار قابوس المدروس، ووفّر بالتالي شعوراً بالاستمرارية على نفس النهج. تصرفت العائلة بالسرعة والتصميم والحصافة، وهي صفات ميّزت حكم قابوس، مؤذنةً بذلك توجهها لعصر ما بعد قابوس. وعلى الرغم من أن قرار العائلة المالكة جعل الحكم في عُمان لا يختلف عن الحكم في الدول الخليجية المجاورة، حيث يقوم الحاكم بتسمية وريثه، إلا أن السلطنة، وبصورة غير تقليدية، بثّت على أثير شاشات التلفزة إجراءات التنصيب للسلطان الذي تسلم الحكم عبر رسالة. وشكّلت الشفافية والسرعة والنجاح في معالجة موضوع انتقال الحكم، نموذجاً يُحتذى به بالنسبة إلى العديد من الدول المجاورة التي ستختبر تحوّلات وشيكة في السلطة.

ما المضاعفات للمستقبل؟

اختار قابوس خلفاً يشبهه. فهيثم بن طارق شخص هادئ، يحب الثقافة الإنكليزية، كونه خرّيج جامعة أكسفورد. وهو إداري مخضرم تبوّأ مناصب حكومية عدة، ويولي اهتماماً كبيرًا للقضايا الاقتصادية، لاسيما رؤية عُمان 2040، وهي خارطة طريق للخطة الاجتماعية والاقتصادية الوطنية على مدى العقدين المقبلين. وهكذا ومن خلال خطوته الأخيرة، وجه قابوس رسالة تطمين لمرحلة ما بعد رحيله. فمن خلال اختيار ابن عمه هيثم، الذي عمل في وزارة الخارجية ستة عشر عاماً، حرص السلطان الراحل على إبقاء سياسته الخارجية كما كانت عليه في عهده.

في خطابه الأول بعد تنصيبه رسمياً، تعهّد هيثم بن طارق بالسير على خطى عقيدة قابوس المكوّنة من ثوابت خمسة هي: "التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات".

أفادت عُمان من هذا النهج، وبقيت تطبّق مضامينه بحكمة حتى بعد أن خفّ إشراف قابوس الدؤوب على الحكم بعد مرضه في العام 2014. لذا من غير المرجح أن تنحرف عُمان عن هذا المسار. ما سيختلف هو ردّ فعل الدول الإقليمية التي قد تُخضع القيادة الجديدة لاختبار إمكانية تغيير السياسة الخارجية العُمانية. ونظراً إلى تاريخ عُمان، غالب الظن ألا يطرأ أي تغيير على هذا الصعيد.

في حال تم المضي قدمًا على نفس المسار الذي خطه قابوس في السياسة الخارجية، قد يترك الحاكم الجديد بصمات إضافية على المستوى المحلي. فهيثم رب عائلة، وليس انطوائياً مثل خلفه. فهل سيحكم البلاد من خلال توطيد أركان السلطة مثل قابوس، الذي تبوأ منصب رئيس الوزراء، إلى جانب منصب وزير الدفاع، والمالية، والخارجية؟ أم أنه سيعيّن رئيس وزراء ويحكم بشكل لامركزي؟ هل سيعيد إحياء الجولات الداخلية السنوية التي كان يقوم بها قابوس، أم سيتّبع نهجاً جديداً للتفاعل مع الشعب؟ ستوفّر خطوات هيثم السياسية المُقبلة والتشكيلة الحكومية إجابة شافية، وكذلك قراره بالحفاظ على شكل الخلافة أم تعديله.

لدى هيثم نموذج محلّي متين يمكن البناء عليه. إذ تُعتبر عُمان قصة نجاح من حيث الخطاب الديني التقدّمي واحتضان التنوع في المجتمع، ما أدّى إلى امتناع المواطنين العُمانيين عن الانضمام إلى المجموعات المتطرفة. والسلطان الجديد جزءٌ من قصة النجاح هذه، نظراً إلى إشرافه على وزارة التراث والثقافة طيلة سبعة عشر عاماً. لذا، وفي ظل غياب الصراع العائلي، والتنافس القَبَلي، أو المطامح الانفصالية، ففي وسع هيثم صبّ جلّ اهتمامه على الشؤون الاقتصادية.

بنى قابوس دولة حديثة من الصفر، فكُنّي بـ"باني نهضة عُمان". اليوم، يتوقّع العُمانيون أن تتحسّن حياتهم، ويتطلّعون إلى تحقيق إصلاحات اقتصادية فعّالة. لذا، يتعيّن على هيثم التصدّي لمعدّلات البطالة المتنامية، وضمان العيش الكريم لجميع العُمانيين. ستكون هذه إسهامات أساسية تسمح له ببناء إرثه الخاص. فهل سينجح السلطان الجديد بإرساء النهضة العُمانية الثانية؟ الزمن كفيلٌ بالإجابة على هذا السؤال.

The Beirut Blast: An Accident in Name Only

 الثلاثاء 11 آب 2020 - 10:29 ص

The Beirut Blast: An Accident in Name Only https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/e… تتمة »

عدد الزيارات: 43,491,376

عدد الزوار: 1,254,025

المتواجدون الآن: 36