كفاءة القوات المسلحة السورية: تحليل للمساعدة الروسية....

تاريخ الإضافة الجمعة 27 آذار 2020 - 6:31 ص    عدد الزيارات 502    التعليقات 0

        

كفاءة القوات المسلحة السورية: تحليل للمساعدة الروسية....

أنطون لافروف....

أنطون لافروف محلل مستقل خبير في الصراعات العسكرية يشارك فيها روسيا, خصوصًا الصراع السوري....

مركز كارنيغي.....ملخّص: على الرغم من أن الحرب الأهلية السورية لم تنتهِ بعد، من الممكن للمستشارين الروس استخدام خبرتهم في تحديث القوات السورية من سنة 2015 لإعداد هيكل فعال للقوات فيما بعد الحرب....

لم ينتهِ النزاع في سوريا بعد، ويواجه نظام بشار الأسد الآن المهمة الصعبة المتمثلة في تنظيم قواته للانتصار في الحرب وضمان السلام بعد ذلك. قد يتسبب المزيد من توطيد السيادة السورية إلى موجة جديدة من الأعمال العدائية واسعة النطاق. فحتى إذا كان النظام يسيطر بالكامل على الأراضي السورية، فسوف يتطلب الأمر فترة طويلة من عدم الاستقرار الداخلي مع خطر اندلاع انتفاضة أخرى وانفصال إقليمي آخر. ولذلك، يبقى تطوير الجيش أولوية عالية للحكومة السورية وحلفائها. ترجع الحالة الحالية الرديئة للقوات المسلحة في البلاد لخطوات متسرعة ومخصصة خلال الحرب من أجل البقاء، لكن توقف الأعمال العدائية يجعل من الممكن تنظيم القوات المسلحة وإصلاحها. وتبقى المسألة الرئيسية هي اختيار ما إذا كانت القوات المسلحة السورية ستركز بالأكثر على العمليات التقليدية أو الأمن الداخلي.

من الممكن أن تكون روسيا لاعبًا رئيسيًا في مستقبل القوات السورية. فقد جربت القيادة الروسية بالفعل إصلاح الجيش السوري من خلال تشكيل وحدات جديدة واسعة النطاق وشبه نظامية ودمج جماعات غير نظامية ومتمردة مختلفة في هذه الوحدات. من الصعب توقع استعادة جيش ما قبل الحرب، الذي كان موجهًا لحرب تقليدية واسعة النطاق مع الخصوم الخارجيين. إن حقائق النزاع السوري تجعل من قوة الأمن الداخلي خيارًا أكثر ترجيحًا للإصلاح. فالتهديدات الخارجية ليست أولوية لسوريا في هذا الوقت. كما أن مثل هذه الاستعادة ستكون مكلفة للغاية لدولة مزقتها الحرب. وبصرف النظر عن نقص الأموال، كان نقص اليد العاملة مشكلة حرجة لعدة سنوات. تكشف التجربة الروسية في سوريا أن التحديات الرئيسية التي تواجه إصلاح القوات المسلحة السورية فيما بعد الحرب هي تنظيم الوحدة وفعاليتها، وهيكل القوة، ودمج المتمردين السابقين.

الانطباعات الروسية عن حالة الجيش السوري

عندما خطط القادة السياسيون الروس في سنة 2015 للتدخل في الحرب الأهلية السورية توقعوا انتصارًا سريعًا. فقد اعتقدوا أنه بدعم سلاح الجو الروسي سوف يقلب الجيش السوري والقوات الإضافية الموالية للحكومة الأوضاع على الأرض بسرعة ويستعيد أراضي البلاد. صُممت العملية النشطة بأكملها لتستغرق ثلاثة إلى أربعة شهور فقط. ولذلك، لم توجد في البداية خطط لتحديث الجيش السوري على نطاق واسع. وهذا يكشف بوضوح عدم كفاية الإلمام الروسي بالوضع على أرض الواقع على الرغم من حقيقة أن روسيا دعمت النظام منذ بداية الحرب الأهلية.

أدركت روسيا بسرعة، مثل القوى الخارجية الأخرى المشاركة في سوريا، أن الغارات الجوية وحدها لم تكن كافية للنجاح على أرض الواقع. يقول القائد الأول للقوات العسكرية الروسية في سوريا، الكولونيل العام ألكساندر دفورنيكوف، "بحلول صيف 2015، كانت القوات المسلحة السورية قد استنفدت نفسها تمامًا، إذ تدهورت معنويات أفرادها وتدهور فيلق الضباط وأظهرت القوات المسلحة كفاءة منخفضة للغاية في القيادة والسيطرة".

لم يكن من الممكن تحقيق النصر سوى بتحسين القوات المسلحة السورية تحسينًا جادًا أو بإنشاء قوات صديقة جديدة. وروسيا تتمتع بخبرة في تشكيل قوات مسلحة صغيرة صديقة. فعلى مدى الثلاثين سنة الماضية، شارك الروس في إنشاء تشكيلات عسكرية شبه نظامية في ترانسنيستريا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وفي السنوات الأخيرة، تم تشكيل قوتين عسكريتين أكبر من الصفر في المناطق الانفصالية في أوكرانيا بدعم من روسيا. وهي تشكيلات ثقيلة يبلغ قوامها عشرات الآلاف من المقاتلين المجهزين بمئات الدبابات وقطع المدفعية والمجمعات المضادة للطائرات والطائرات بدون طيار. وفي الوقت نفسه، تتمتع روسيا الحديثة بخبرة قليلة في التعامل مع التكوينات غير النظامية. فليس من المستغرب أن تكون روسيا قد اختارت في سوريا العمل مع الجيش النظامي وتركت غير النظاميين للنفوذ الإيراني.

لم تعلن القيادة العسكرية والسياسية الروسية رسميًا عن خطط للتطوير المستقبلي للجيش السوري، لكن روسيا بدأت المشاركة في تحسينه حتى قبل دخولها الحرب في سبتمبر/أيلول 2015. وبعد بدء التدخل الرسمي، ازدادت هذه الجهود كثيرًا في نطاقها. ومن الممكن بدراستها فهم الكيفية التي ترى بها روسيا مستقبل الجيش السوري.

المحاولة الأولى للتحديث: الفيلق الرابع

كانت أول محاولة روسية لتحديث القوات السورية إنشاء فيلق الهجوم الرابع الذي بدأ قبل وقت قصير من بدء عملية القوات الجوية الروسية في سبتمبر/أيلول 2015. وقد كان هذا التحديث إداريًا في غالبه. تفيد وزارة الدفاع الروسية بأن خليطًا متنوعًا من فرقة المشاة الثانية ولواء الحرس الجمهوري 103 ولواء الهجوم الأول وفوج الأغراض الخاصة رقم 48 وفوج الأغراض الخاصة رقم 53 وكتيبة البحرية قد أصبح جزءًا من التشكيل الجديد تحت سيطرة مقر جديد في اللاذقية. كما أُدرجت وحدات جديدة تشكلت من غير النظاميين والمجندين في قوات الدفاع الوطني من اللاذقية. وفي النهاية، كان الفيلق الرابع يضم أكثر من 20 مجموعة هجوم منفصلة تضم كل منها حوالي 100 جندي. وبالتالي، فإن "الفيلق" بأكمله تجاوز بالكاد ألفي مقاتل في الخطوط الأمامية ولم يصل إلى قوة فرقة كاملة العضوية.

ساعدت روسيا أيضًا في إصلاح المعدات العسكرية الثقيلة للفيلق الرابع، بما في ذلك الدبابات والناقلات المدرعة للأفراد. كما تلقى المجندون تدريبًا قتاليًا سريعًا وأساسيًا من المستشارين العسكريين الروس. ومع ذلك، لم يوجد استثمار روسي كبير في هذا الفيلق، وخصوصًا في المعدات الصغيرة. كان من المفترض أن تكون القيمة المضافة الرئيسية هي القيادة والسيطرة بدرجة أفضل. عُين ضباط روس كبار كمستشارين للفيلق ولمقار الوحدات وساعدوا في إدارة العمليات والتنسيق مع القوات الجوية الروسية.

بدأت عملية الهجوم الأولى للفيلق الرابع في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2015، أي بعد أسبوع واحد فقط من بدء التدخل الروسي. أُرسلت مجموعات مهاجمة إلى سهل الغاب والمنطقة الجبلية في اللاذقية للقضاء على التهديد الذي يتعرض له الإقليم والقاعدة الجوية الروسية هناك. وقد دعمت هجوم الفيلق غارات جوية روسية مكثفة وهجمات بصواريخ كروز. استغرقت استعادة المنطقة الجبلية في محافظة اللاذقية ستة أشهر، في حين أن سهل الغاب لم يخضع لسيطرة دمشق بعد.

على الرغم من أن عملية الغاب/اللاذقية لم تحقق نجاحًا كاملاً، فقد انتشرت بعض الخبرة المكتسبة في التفاعل العسكري الروسي-السوري انتشارًا سريعًا إلى أجزاء أخرى من البلاد. فقد جرى تعيين مستشارين من الرتب العليا في الجيش الروسي في كل كتيبة ولواء وفرقة تقريبًا في الجيش الحكومي النظامي. كما عمل الجيش الروسي والمتعاقدون العسكريون الخاصون الذين تستأجرهم الدولة مع بعض التشكيلات شبه النظامية مثل قوات النمر من النخبة.

تُقر وزارة الدفاع الروسية بأن المستشارين الروس يؤدون أحيانًا دورًا أكثر نشاطًا مما خططت له. فبعد وفاة قائد اللواء 124 للحرس الجمهوري في مايو/أيار 2017، كان يدير الوحدة مستشار روسي بنجاح لمدة أسبوع حتى تم إرسال بديل سوري. وبالتالي، فقد قدرت روسيا أن إعادة التنظيم بناءً على الوحدات القائمة ذات الاستثمارات القليلة سوف يكون غير فعال، وأن قيمتها القتالية لن تكون كافية. أثيرت مشكلات ليس فقط بخصوص هيكل القيادة والسيطرة ولكن أيضًا بخصوص دافع القوات وتدريبها وفعالية القتال. ولذلك، قررت روسيا إيلاء المزيد من الاهتمام والموارد لإنشاء فيلق هجوم خامس جديد بحيث يكون تطوعيًا، وهو المعروف أيضًا في سوريا باسم الفيلق الخامس.

هل الفيلق الخامس نموذج للمستقبل؟

بدأت من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 محاولة أكثر طموحًا لإنشاء وحدة جديدة جاهزة للقتال في الجيش السوري. فعلى الرغم من انتهاء الهجوم على شرق حلب بنجاح بحلول ذلك الوقت، كان من الواضح للقيادة الروسية أن القوات الموالية للحكومة الحالية، النظامية وغير النظامية على حد سواء، لم تزل غير فعالة بالمرة.

كان الفيلق الخامس الجديد يتكون بالكامل من متطوعين لتجنب التحديات المعتادة في التجنيد فيما يتعلق بالفرار من الجيش وغياب الدافع الكافي. كان المقاتلون يحصلون على ما بين 200 إلى 300 دولار أمريكي شهريًا، وهو راتب جذاب للغاية في سوريا التي مزقتها الحرب. ليس من المعروف مصدر أموال تمويل الفيلق، ولكن يبدو أن روسيا هي أحد المصادر الرئيسية للأسلحة والمعدات والمركبات القتالية للفيلق. تلقى الأفراد تدريبًا أساسيًا من المدربين الروس بالإضافة إلى تدريب تكتيكي مُطول وشامل.

نظرًا لنقص الموارد البشرية، أصبح تشكيل الفيلق الخامس مختلطًا. فقد جمع وحدات من أصول ودوافع مختلفة للغاية، وهي في معظمها وحدات سابقة غير نظامية خارج هيكل القيادة العسكرية مثل قوات الدفاع الوطني أو كتائب البعث الموالية. وقد شُكلت وحدات إضافية عن طريق تجنيد متطوعين جدد ومحاربين قُدامى مُسرحين. وقد أُنشئت مراكز تجنيد مخصصة للفيلق الخامس في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك دمشق وحمص وحماة وحلب وطرطوس واللاذقية والسويداء. وفي سنة 2018 تم أيضًا تجنيد متمردين سابقين من محافظة درعا في الفيلق الخامس.

لم يكتفِ الجيش الروسي في البداية بتقديم الإرشاد للقادة السوريين، بل كان يتولى القيادة الكاملة للفيلق الجديد على المستويين التشغيلي والتكتيكي، وقد كان هذا ضروريًا لحل مشكلة الهيكل الفاسد للقيادة والسيطرة السوريتين. وبما أن الأفراد السوريين اكتسبوا المزيد من الخبرة القتالية، تحول الوضع نحو المستشارين الروس الذين يتمتعون بسلطة أقل في الفيلق الخامس. كان يوجد اختلاف مهم عن فيلق الجيش الانفصالي الروسي أو الأوكراني بصفة عامة وهو الغياب شبه الكامل لوحدات الدعم على مستوى الفيلق. ففي الجيش النظامي، يملك الفيلق العديد من ألوية المدفعية والصواريخ والدفاع الجوي وكتائب الدعم المتخصصة بحيث تكون مُدربة على القتال معًا. ظل فيلق الهجوم الخامس مُنظمًا كوحدات مشاة مستقلة في غالبها ومتحدة بواسطة قيادة مشتركة. لم يتلق سوى عدد قليل فقط من الوحدات المختارة أسلحة ثقيلة إضافية. ولكن على عكس الفيلق الرابع، لم تكن هذه الدبابات قديمة وحسب. بالإضافة إلى دبابة T-62M القديمة، تلقت وحدات الفيلق الخامس المختارة دبابات T-72B3 مطورة ودبابات T-90A، والتي يشتريها اليوم حتى الجيش الروسي. الميليشيات والوحدات غير النظامية المُنشأة حديثًا، بما في ذلك ما في الفيلق الخامس، مجهزة بالفعل بمدافع رشاشة وشاحنات مُحملة بمدافع آلية. تشمل المدفعية المُوصلة قاذفات الصواريخ المتعددة المُثبتة على هيكل المركبة نفسها. ومثل هذه التشكيلات أقل بكثير من الفعالية القتالية للمشاة الآلية، ولكن نظرًا لانخفاض سعرها فإنها الخيار الأمثل بأسعار معقولة لإنشاء وحدات عسكرية نظامية في المستقبل وإعادة تشكيلها. وعلى الرغم من هذا، لا تزال توجد تحديات. فما زال الفيلق الخامس غير منظم. بينما يصعب تقدير العدد الإجمالي للمقاتلين في الفيلق، فإنه ربما يتجاوز عشرة آلاف شخص. تعتبر سوريا أن تشكيل مثل هذه الوحدة العسكرية الكبيرة و"الثقيلة" نسبيًا من الصفر إنجاز كبير. فقد أظهرت الممارسة أن مشروع هذا الفيلق كان أكثر نجاحًا من الفيلق الرابع. فقد اُستخدم الفيلق الخامس لاقتحام تدمر وللسيطرة على الصحراء السورية ولمنع الحصار عن دير الزور وللاستيلاء على وادي الفرات ودرعا. وفي مارس/أذار 2019، أُرسل الفيلق، بكامل تشكيلته تقريبًا، للإعداد لشن هجوم على محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة. أشادت القيادة العسكرية الروسية إشادةً بالغة بفعالية الفيلق الخامس. جدير بالذكر بشكل خاص حقيقة أن هيكل التطوع من جميع الأفراد والدفع الجيد نسبيًا ضمن ولاء للفيلق بما يكفي لاستخدامه ليس فقط على المستوى الإقليمي بل في جميع أنحاء البلاد. فيما يتعلق بالتنقل انضم الفيلق الخامس إلى أكثر الوحدات السورية استعدادًا للقتال كالفرقة المدرعة الرابعة وقوات النمر من النخبة. ومع ذلك، فإن المسألة المهمة هي ما إذا كان هذا الفيلق وأتباعه سوف يتمتعون بالخفة النسبية في التشكيل أم سوف يتلقون في وقت لاحق معدات عسكرية ثقيلة إضافية وهيكل أثقل. يجري تعويض مثل هذا الهيكل اليوم عن طريق القوة الجوية الروسية، ولكن الاكتفاء الذاتي قد يتطلب قوة نيران أصلية أثقل.

هيكل المستقبل: ثقيل أم خفيف؟

من الصعب توقع استعادة الجيش الثقيل لما قبل الحرب، الذي كان موجهًا لحرب تقليدية واسعة النطاق مع الخصوم الخارجيين. فالتهديدات الخارجية ليست أولوية لسوريا في هذا الوقت. كما أنها ستكون مكلفة للغاية بالنسبة لدولة مزقتها الحرب. لا توجد وسيلة لسوريا لاستعادة العدد السابق من الدبابات والمركبات المدرعة والطائرات وأنظمة الدفاع الجوي التي كانت متاحة قبل الحرب. ومن الممكن أن يكون مصدرها الوحيد هو روسيا. ولكن لم يُعلن حتى الآن عن أية خطط لعمليات امتلاك واسعة النطاق، وكانت تلك العمليات التي حدثت محدودة. ينطبق هذا بشكل خاص على الأسلحة الحديثة المتطورة. كان الإمداد الوحيد المهم لأنظمة الدفاع الجوي S-300 رد فعل ظرفيًا لروسيا على فقدان طائرة الاستطلاع IL-20 بسبب النيران الصديقة لأسلحة الدفاع الجوي السورية. لم تجد بعد استعادة كاملة أو تجميع جاد لقوات الدفاع الجوي للبلاد إلى مستوى قادر على حمايتها بشكل فعال من إسرائيل والولايات المتحدة. ولم تجد بعد عمليات شراء وتسليم لطائرات جديدة، إما طائرات ثابتة أو مروحيات. لا يتوقع سوريا في المستقبل القريب تسليم صغير لطائرات الهليكوبتر للنقل وهي حيوية لدعم حركة الجيش السوري. لم تكن تجربة تزويد القوات السورية بالدبابات المتقدمة ناجحة للغاية. فطواقم العمل التي كانت تفتقر إلى التدريب الكافي استخدموها بالتكتيكات نفسها التي كانوا يستخدمون بها طرازي T-55 وT-72 القديمين دون تأثير كبير على ساحة المعركة. كانت المساعدة الروسية أساسية في الجهود الحربية في استعادة المركبات المدرعة. فقد نُقِلَ أكثر من 1100 طن من قطع الغيار للمركبات المدرعة إلى سوريا. كما ساعدت روسيا في إنشاء مرفق تصليح/تجديد صهريج حمص وأماكن تصليح أصغر في جبلة واللاذقية. وبين 2015-2017 أصلحوا 3572 مركبة مدرعة و1244 مركبة أخرى في سنة 2018. وقد سمح مثل هذا المستوى العالي من الدعم للقوات البرية في البلاد بالحفاظ على بعض القدرة القتالية للمدرعات على مر السنين، على الرغم من الخسائر الهائلة. امتازت روسيا بالسخاء أيضًا بتزويد أسلحة مشاة ثقيلة مثل المدافع المضادة للطائرات من طراز 23mm ZU-23، ومدافع رشاش من العيار الكبير، وأنظمة مضادة للدبابات من طراز Kornet التي تُستخدَم أيضًا كأسلحة دعم متعددة الأغراض. أدت الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات دورًا متزايدًا في عمل القوات البرية السورية وقدمت لها ميزة تقنية ضرورية مقابل قوات المتمردين. لا تتسم أسلحة المشاة هذه بأنها أرخص وحسب بل إنها أسهل في إتقانها ومثالية لتكتيكات الوحدات الصغيرة وشبه العادية. ومع ذلك، فإن التدريب الشامل والاحتفاظ بضباط وجنود رفيعي المستوى قادرين على تشغيل أسلحة حديثة متطورة يمثل مهمة صعبة لسوريا الحديثة. فهذا عامل تقييد بالغ في استعادة جيش ثقيل.

مشكلة دمج وحدات المتمردين السابقين

إعادة سيطرة الحكومة على مساحات شاسعة من الأراضي في سنة 2018 والعديد من صفقات المصالحة المفترضة مع المناطق السابقة للمتمردين قدمت للحكومة مصدرًا مهمًا يتمثل في الأفراد لإعادة بناء القوات النظامية السورية. ومع ذلك، لا يوجد ما يشير إلى أن الحكومة السورية قد وضعت نهجًا موحدًا لإعادة دمج المتمردين السابقين في القوات المسلحة الوطنية. يُفضل النظام اتباع سياسة نزع السلاح عن وحدات المتمردين المستسلمة ثم حلها وتجنيد مقاتلين أفراد. ومثل هذا النهج يجعل المتمردين السابقين مصدرًا كامنًا للقوة العاملة التي توجد أمس الحاجة إليها. يعتبر كثيرون من المتمردين المستسلمين أن الخدمة في الجيش أو القوات الإضافية هي الطريقة الوحيدة لكسب العيش وتجنب الاضطهاد السياسي. بالإضافة إلى الشكوك الواضحة حول الولاء المشكوك فيه للوحدات الكبيرة المكونة من المتمردين السابقين، فإن أسلحتهم ومعداتهم لا تتماشى مع أسلحة القوات الموالية للحكومة، وهذا ما يجعل الإمدادات صعبة. والمقاتلون لديهم مستويات مختلطة من التدريب وكثيرون منهم ليس لديهم أي تدريب. والنتيجة هي أن الوحدات المصالحة لا تمثل بوجه عام قوة متماسكة وجديرة بالقتال ومفيدة للتجنيد في الجيش وسوف تتطلب إجراء تصليح شامل على أي حال. لا توجد سوى أمثلة قليلة على التشكيلات الصغيرة للمتمردين بحجم السَرية والكتيبة التي نُقِلت للخدمة والقتال في الوحدات الإضافية السورية ككل. أظهرت روسيا أيضًا مرونة في إقامة تحالفات محلية مؤقتة مع القوات غير الحكومية مثل وحدات الميليشيات القبلية في وادي نهر الفرات وفصائل وحدات حماية الشعب التابعة لقوات سوريا الديمقراطية هناك. في المراحل الأخيرة من هزيمة داعش في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2017، أُرسِل ضباط روس وجنود قوات العمليات الخاصة إلى فصائل وحدات حماية الشعب هذه كمستشارين عسكريين. قدم سلاح الجو الروسي دعمًا جويًا دقيقًا للأكراد المتقدمين. وجرى إنشاء مقر مشترك لتنسيق أعمال روسيا وميليشيات وادي الفرات. ومع ذلك، فقد كان هذا استثناءً للقاعدة، ولا يوجد سبب لتوقع أن هذا النهج سوف يتغير فيما يتعلق بقوات المتمردين في إدلب والتنف. من المحتمل أن تُفضل الحكومة حل القوات المحلية حتى لو تمكنت من التوصل إلى اتفاق سلام معهم. فنظرًا للتاريخ الطويل للعداء المسلح وللعدد الكبير من الإسلاميين المتطرفين في صفوفهم، سوف تكون موثوقية هذه الوحدات وولاءها موضع تساؤل دائمًا. سوف يعتمد مستقبل القوات في المناطق الخاضعة الآن للسيطرة التركية اعتمادًا كليًا على شروط تسوية سياسية. ولكن بعد عملية نبع السلام من الواضح أن تركيا لن تغادر سوريا. شكلت تركيا من بين المتمردين السابقين هناك وكيلاً جيد التنظيم، وهو الجيش السوري الحر. من الصعب تصور أن هذه الوحدات، الموالية بالكامل لدولة أجنبية معادية والخاضعة لها، يمكن دمجها بطريقة ما في القوات المسلحة السورية حتى على المدى الطويل. يختلف الوضع في المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في البلاد. فالعملية التركية نبع السلام في أكتوبر/تشرين الأول 2019 دفعت الأكراد نحو المصالحة مع الحكومة المركزية. وتنتشر القوات المسلحة السورية الآن بسلام في عدد كبير من أراضي قوات سوريا الديمقراطية. أعلنت وزارة الدفاع السورية عن استعدادها لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش النظامي. وأعلنت القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية بحذر عن استعدادها لمثل هذه الخطوة في المستقبل ولكن ليس قبل التوصل إلى تسوية سياسية كاملة بين المناطق الكردية والحكومة المركزية في البلاد. من الممكن حدوث مثل هذا التقارب بالتأكيد بالنظر إلى انخفاض مستوى العداء بين الأطراف طوال فترة النزاع. سوف تُثار حتمًا مسألة مصير صفوف قوات سوريا الديمقراطية المنظمة تنظيمًا جيدًا والمتمرسة في المعركة. فحل الوحدات الكردية والتجنيد اللاحق للمقاتلين الأفراد سوف يكونان غير فعالين. وينبغي أن يجد النظام طريقة أخرى لإدماجهم في الجيش مع تحقيق توازن دقيق بين استقلالية قوات سوريا الديمقراطية وخضوعهم للقيادة المركزية. يمكن أن تكون واحدة من طرق تحقيق هذا التوازن من خلال مقار الفرق أو فيالق الجيش التي تديرها الحكومة. يمكن إخضاع الألوية والكتائب الحالية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية لهذه المقار، التي سوف تعتمد على السيطرة والتخطيط التشغيليين والموظفين والإمداد والإدارة اللوجستية والتمويل.

خاتمة

لا تخطط روسيا لإعادة إنشاء الجيش السوري بشكله فيما قبل الحرب. فسوريا الحديثة غير قادرة على دفع ثمن ذلك، والحلفاء الآخرون لا يمكنهم دعمها. يتمثل الهدف النهائي لروسيا في إنشاء جيش سوري مكتف ذاتيًا ويمكنه الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها دون مساعدة عسكرية مباشرة. يتزامن مثل هذا الهدف جيدًا مع مصالح النظام السوري وسوف يوفر لروسيا استراتيجية خروج. تتعارض الخطط الروسية لتوحيد القوات تحت قيادة واحدة تعارضًا مباشرًا مع مصالح إيران، التي تعتمد عليها سوريا من أجل شبكة واسعة من التشكيلات الموالية وغير النظامية. فإيران تمول هذه الوحدات وبالتالي فهي أكثر ولاءً لطهران من دمشق. سوف تبقى لروسيا الكلمة الأخيرة حول تكوين الجيش النظامي، ومن غير المرجح أن تكون روسيا مستعدة للتنازل عن إيران في هذا الشأن. فهيكل القيادة العمودي المتكامل بإحكام عنصر حاسم في الاستراتيجية العسكرية الروسية. على أي حال، سوف تبقى القبضة المدرعة المتنقلة لوحدات قوات المشاة الميكانيكية القليلة. فوجودها ضروري ليس فقط للتركيز السريع ولوحدة القوات بل أيضًا لأسباب الفخر القومي. يوفر النموذج الذي جرى اختباره في الفيلق الخامس وسيلة فعالة من حيث التكلفة لتنظيم خليط من وحدات صغيرة مختلفة كثيرة في هياكل عسكرية أكبر وأفضل من ناحية الإدارة. وتوحيد سلسلة القيادة ضروري لتحويل الوحدات غير النظامية إلى وضع منتظم وشبه منتظم. سوف يسمح مثل هذا الهيكل، إذا لزم الأمر، بالتكامل السهل بين وحدات المعارضة، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية لأن تنظيمها وتكتيكاتها وأسلحتها لا تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة في القوات المسلحة السورية. أما التحدي الخطير للنظام السوري فسوف يتمثل في الحاجة إلى إنشاء هيكله الخاص الفعال للقيادة والسيطرة بعد رحيل المستشارين الروس. ولن يكون من السهل أيضًا إيجاد تمويل لتحفيز الجيش بأكمله بالطريقة نفسها كما في الفيلق الخامس. سوف يتكون تسليح القوات المسلحة السورية حصريًا تقريبًا من معدات قديمة في المستقبل المنظور. ومن الضرورة البحتة ينبغي على الحكومة التركيز على الموارد الموجودة بالفعل. فالتطور الكبير للقوات الجوية والدفاع الجوي والبحرية في سوريا ليس أولوية. يجب أن يكون الجيش السوري كافيًا لقمع الانتفاضات المحلية والحفاظ على سلامة البلاد. وفي الوقت نفسه، لن تشكل القوات المسلحة السورية في هذا السياق تهديدًا خطيرًا للجيران بما في ذلك إسرائيل وتركيا. فبما أن روسيا تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع القوى الإقليمية، فإن هذا عامل حاسم. وتبقى المشكلة الرئيسية للنظام هي ولاء الجيش المتجدد. ففي بداية النزاع، كان الوحدات العسكرية بأكملها تغير مواقفها. وفي السنوات الأخيرة تمكن الأسد من إيقاف مثل هذه الحالات من خلال الجمع بين مكافآت مادية أفضل والحث على روح الوطنية بين الشعب واستخدام القمع الوحشي. فإذا جرى ضم عدد كبير من الخصوم السابقين في الجيش، فحتى هذه الوسائل قد لا تكون كافية. ولذلك فإن الحفاظ على ولاء القوات المسلحة واستقرارها سوف يظل دائمًا أمرًا مزعجًا. ربما يتغير هيكل الجيش مرة أخرى في المستقبل الأبعد، أي بعد إقامة سلام دائم في البلاد. فبالنظر إلى عقود من الزمن استخدمت فيها الأمة وحدات عسكرية ميكانيكية ثقيلة، القوات المسلحة السورية سوف تنجذب حتمًا إلى هيكل منظم أثقل. ومع ذلك، سوف يتطلب مثل هذا الاحتمال تدعيم كبير للاقتصاد وللاستقرار السياسي للنظام، وهذا لا يبدو حتى في الأفق.

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya

 الثلاثاء 12 أيار 2020 - 11:16 ص

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-… تتمة »

عدد الزيارات: 39,867,545

عدد الزوار: 1,098,379

المتواجدون الآن: 35